السيد كمال الحيدري
59
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
المصمّم ، فإنّ الأمر أعظم من أن يقف فيه الفكر ، فما دام الفكر موجوداً ، فمن المحال أن يطمئنّ ويسكن . فللعقول حدّ تقف عنده من حيث قوّتها في التصرّف الفكري ، فإذن ينبغي للعاقل أن يتعرّض لنفحات الجود ولا يبقى مأسوراً في قيد نظره وكسبه ، فإنّه على شبهة في ذلك » « 1 » . ويقول السيّد حيدر الآملي : « والغرض أنّ العلوم الرسمية الحاصلة عن النظر والفكر ليست خالية من الشكوك والشبهة والخطأ والزلل » « 2 » . الثاني : لو غضضنا النظر عن الإشكال الأوّل ، فإنّ غاية ما يقال في تلك المناهج أنّها تدرك العالم وخالقه عن طريق المفاهيم التي يحصل عليها . والكمال الذي يصل إليه العالم بها هو « انتقاش النفس بصورة الوجود على نظامه بكماله وتمامه وصيرورة الإنسان عالماً عقلياً مضاهياً للعالم العيني » « 3 » . وأمّا العارف فلا علاقة له بالفهم والعقل وإدراك المفاهيم والصور ، بل غايته التي يسعى للوصول إليها ، هي مشاهدة جمال الحقّ وشهود حقائق هذا العالم على ما هي عليه ، وليس الكمال الذي يبتغيه هو تحصيل صورة هذه الأشياء . ومن الواضح أنّ الفرق كبير جدّاً بين من يعرف النار من خلال المفهوم والصورة الذهنية ، وبين من يعرفها من خلال الإحساس بحرارتها والاحتراق بها . والأوّل حال الحكيم المشّائي ، والثاني حال العارف المكاشف .
--> ( 1 ) جامع الأسرار : ص 491 . ( 2 ) المصدر نفسه : ص 492 . ( 3 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، صدر الدين الشيرازي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، الطبعة الرابعة ، 1990 م ، وطبعة طهران ، 2003 م : ج 1 ص 20 .